يعود بعض الأطفال من المدرسة وهم أكثر صمتًا من المعتاد، أو يبدأون في اختلاق الأعذار لتجنب الذهاب إليها، أو يفقدون أدواتهم وملابسهم بصورة متكررة. وقد يحدث العكس؛ فيعود الطفل غاضبًا، سريع الانفعال، أو يبدأ في التعامل مع إخوته بعنف ومحاولة فرض سيطرته عليهم.
في الحالتين، هناك ما يستحق انتباه الوالدين.
التنمر المدرسي ليس مجرد خلاف عابر بين طفلين، ولا كل كلمة قاسية أو مشاجرة بين الأصدقاء تُعد تنمرًا. لكنه سلوك مؤذٍ قد يتكرر، ويترك آثارًا نفسية واجتماعية ودراسية على الطفل، سواء كان هو المتعرض للتنمر أو من يمارسه.
وتشير اليونسكو إلى أن نحو طفل من كل ثلاثة أطفال عالميًا يتعرض للتنمر من أقرانه، وهو ما يجعل التعامل مع هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع.
والأهم أن الطفل قد يتعرض للتنمر دون أن يخبر والديه، وقد يمارس التنمر دون أن يدرك الأب أو الأم حقيقة ما يحدث. ولذلك فإن حماية الطفل لا تبدأ عند وقوع المشكلة فقط، بل تبدأ من القدرة على ملاحظة العلامات وفهم السلوك والتعامل معه بطريقة تربوية صحيحة.
من أصعب جوانب التنمر أن الطفل لا يأتي دائمًا إلى والديه ليقول: «أنا أتعرض للتنمر».
قد يخاف من أن يزداد الأمر سوءًا إذا تحدث، أو يشعر بالخجل، أو يعتقد أن والديه سيغضبان منه، أو يخشى أن يوصف بأنه ضعيف. وقد يكون صغير السن أو غير قادر على التعبير عن طبيعة ما يحدث له.
لذلك، ينبغي للوالدين الانتباه إلى علامات التنمر عند الأطفال، خاصة إذا ظهرت مجموعة من العلامات معًا أو حدث تغير مفاجئ في سلوك الطفل.
لكن وجود علامة واحدة لا يعني بالضرورة أن الطفل يتعرض للتنمر؛ فقد تكون هذه العلامات مرتبطة بمشكلة أخرى. المهم هو ملاحظة التغير عن طبيعة الطفل المعتادة، ثم فتح باب الحوار معه.
بدلًا من تحويل الحديث إلى تحقيق مباشر مثل: «من الذي يضايقك؟ هل ضربك أحد؟»
يمكن أن يبدأ الوالدان بأسئلة أكثر هدوءًا: «ما أكثر شيء أعجبك اليوم في المدرسة؟ وما أكثر شيء أزعجك؟» «من أكثر زميل تحب أن تجلس معه؟» «هل رأيت اليوم أحدًا يتعامل معك أو مع أحد زملائك بطريقة غير لطيفة؟»
فالهدف ليس انتزاع اعتراف من الطفل، وإنما بناء مساحة آمنة يشعر فيها بأنه يستطيع الحديث دون خوف. ويمكن لحضور محاضرات تربوية متخصصة أن يساعد الوالدين على فهم علامات التنمر المدرسي بعمق أكبر، واكتساب أدوات حوار أكثر فاعلية مع أطفالهم.
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن الطفل المتنمر يجب أن يكون عنيفًا وعدوانيًا طوال الوقت. فالطفل قد يكون هادئًا ولطيفًا مع أسرته، ومتفوقًا دراسيًا، ومحبوبًا من الكبار، وفي الوقت نفسه يمارس سلوكًا مؤذيًا تجاه بعض زملائه بعيدًا عن أعين الأسرة.
غالبًا ما يكون التنمر المدرسي وسيلة يلجأ إليها الطفل للحصول على شعور بالقوة أو القبول الاجتماعي الذي يفتقده في مكان آخر. فقد يقلّد أصدقاءه، أو يحاول إثبات ذاته أمام المجموعة، أو يكون هو نفسه قد تعرض لضغط أو قسوة في بيئة أخرى ويعيد إنتاجها مع من هم أضعف منه. فهم هذه الأسباب لا يبرر السلوك، لكنه يساعد الوالدين على التعامل معه بفاعلية بدلًا من الاكتفاء بالعقاب.
وهنا نقطة تربوية بالغة الأهمية: لا تجعل اكتشاف التنمر سببًا لوضع وصف دائم على الطفل، مثل: «أنت متنمر».
ينبغي رفض السلوك، لا رفض الطفل.
يمكن أن تقول له: «ما فعلته مؤذٍ وغير مقبول، وسنساعدك على إصلاح ما حدث.»
بدلًا من: «أنت طفل سيئ.»
فالهدف ليس أن يشعر الطفل بالعار، وإنما أن يتعلم تحمل المسؤولية، والتعاطف مع الآخرين، وإصلاح الخطأ.
ليس كل خلاف بين الأطفال تنمرًا، وليس كل مزاح مؤذي تنمرًا بالمعنى الدقيق.
قد يختلف طفلان، أو يسخر أحدهما من الآخر مرة واحدة، ثم يتوقف عندما يخبره زميله بأنه انزعج. وقد يتشاجر طفلان ثم يتصالحان بعد دقائق.
أما التنمر المدرسي فعادة ما يرتبط بثلاثة عناصر أساسية: التعمد، والتكرار، واختلال توازن القوة. أي أن هناك سلوكًا مؤذيًا متعمدًا، يتكرر أو يكون مرشحًا للتكرار، مع وجود تفاوت في القوة أو النفوذ يجعل الطفل الآخر يجد صعوبة في الدفاع عن نفسه.
أما المزاح الصحي، فيفترض أن يكون مقبولًا من الطرفين. فإذا قال طفل لزميله: «أنا لا أحب هذا النوع من المزاح»، فتوقف الآخر واحترم مشاعره، فهذه نقطة فارقة.
أما إذا استمر رغم وضوح الرفض، وتحول الأمر إلى وسيلة للإذلال أو الإقصاء أو السيطرة، فلا ينبغي الاستمرار في وصفه بأنه «مجرد مزاح».
ومن المهم أيضًا ألا ننتظر حدوث الاعتداء الجسدي حتى نعتبر الأمر تنمرًا؛ فقد يكون التنمر لفظيًا، أو اجتماعيًا، مثل العزل ونشر الشائعات، أو إلكترونيًا من خلال الرسائل ومواقع التواصل ومجموعات المحادثة.
من أهم العلامات التي تكشف الفرق: هل يستمر السلوك بعد أن يعبّر الطفل بوضوح عن انزعاجه؟ وهل يشعر أحد الطرفين دائمًا بأنه الأضعف أو الأقل قدرة على الدفاع عن نفسه؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالأمر تجاوز حدود المزاح. وكثيرًا ما يقع الآباء في هذا الالتباس، وهو ما تتناوله بالتفصيل مقالة أخطاء في تربية الأبناء والتي توضّح كيف يمكن لتجاهل هذه الفروق أن يؤخر التدخل المناسب.
أول خطأ قد يقع فيه الأب أو الأم هو التصرف بانفعال قبل الاستماع إلى الطفل.
عندما يخبرك طفلك بما حدث، لا تبدأ بالقول: «ماذا فعلت له؟» أو: «لماذا لم تضربه؟» أو: «سأذهب غدًا إلى المدرسة وأتصرف معه.»
ابدأ بجملة تمنحه الشعور بالأمان: «أنا أصدقك، وأنا سعيد لأنك أخبرتني، وما حدث ليس خطأك.»
إذا كان التنمر إلكترونيًا، فمن المهم الاحتفاظ بالرسائل أو الصور أو التسجيلات التي توثق الإساءة، وعدم حذفها قبل معرفة الإجراءات المناسبة.
بعد ذلك ينبغي التواصل مع المدرسة، وطلب التعاون في حماية الطفل ومنع تكرار السلوك.
ولا ينبغي دفع الطفل إلى الانتقام أو استخدام العنف بوصفه الحل الأول؛ فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد الموقف بدلًا من حله.
ومن المهم أيضًا متابعة الطفل بعد التدخل؛ فالمشكلة لا تنتهي بمجرد تقديم الشكوى. ينبغي التأكد من عودة شعوره بالأمان، ومراقبة حالته النفسية ودراسته وعلاقاته بزملائه.
وإذا ظهرت آثار نفسية أو جسدية شديدة، أو استمر الخوف والانسحاب والتراجع الدراسي، فقد يكون من المناسب الاستعانة بمتخصص نفسي أو تربوي.
قد تكون هذه من أصعب المواقف على الوالدين؛ لأن غريزة الأب والأم قد تدفعهما إلى الدفاع عن ابنهما حتى قبل معرفة الحقيقة.
لكن حماية ابنك لا تعني تبرير خطئه.
ابدأ بالاستماع إلى روايته كاملة، ثم وضح له بحزم وهدوء: «أنا أحبك، لكنني لن أقبل أن تؤذي شخصًا آخر.»
ثم حاول فهم السبب وراء السلوك.
فقد يمارس الطفل التنمر بحثًا عن القبول أو المكانة الاجتماعية، أو تقليدًا لأصدقائه، أو رغبة في إثبات قوته، أو لأنه يتعرض هو نفسه لضغط أو تنمر، أو نتيجة مشكلات أخرى تحتاج إلى معالجة.
لكن فهم السبب لا يعني تبرير السلوك.
يحتاج الطفل إلى معرفة أن هناك نتيجة واضحة لسلوكه، وأن عليه تحمل مسؤوليته وإصلاح ما يستطيع إصلاحه.
تشمل كيفية التعامل مع التنمر المدرسي عندما يكون طفلك هو الطرف المتنمر عدة خطوات عملية متكاملة:
وينبغي أن تكون الإجراءات التأديبية غير عنيفة، وألا تتحول إلى إهانة للطفل أو اعتداء عليه؛ لأن استخدام العنف لتعليم الطفل ألا يؤذي الآخرين يرسل إليه رسالة تربوية متناقضة.
لا يمكن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية علاج التنمر في المدارس.
فالمدرسة تستطيع أن تؤدي دورًا أساسيًا في الوقاية من التنمر واكتشافه والتعامل معه من خلال:
والمدرسة الفاعلة لا تنتظر وقوع المشكلة ثم تبحث عن المخطئ فقط، بل تعمل على بناء ثقافة مدرسية يشعر فيها الطفل بالأمان والانتماء والاحترام. ولمن يرغب في فهم أعمق لهذا الجانب، يمكن الاطلاع على مقالة دور المدرسة في التربية التي تشرح كيف تكمل المدرسة دور الأسرة في بناء شخصية الطفل.
كما أن التعامل مع المشكلة يجب ألا يتحول إلى فضح الطفل أو إذلاله أمام زملائه؛ لأن ذلك قد يزيد المشكلة تعقيدًا بدلًا من حلها.
يمكن أن يحدث التنمر في مختلف المراحل العمرية، لكنه يظهر بمعدلات مرتفعة بصورة خاصة في مرحلة الطفولة المتأخرة وبدايات المراهقة.
وتشير بيانات StopBullying.gov إلى أن التنمر يُبلغ عنه بصورة أكبر في الصفوف من السادس إلى الثامن، وهي مرحلة تزداد فيها أهمية جماعة الأقران والمكانة الاجتماعية، بينما يعيش الطفل في الوقت نفسه مرحلة انتقالية مهمة بين الطفولة والمراهقة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن ننتظر وصول الطفل إلى هذه المرحلة حتى نبدأ التوعية.
فمهارات التعاطف، واحترام الاختلاف، والتعبير عن المشاعر، وطلب المساعدة، وحل الخلافات، والدفاع الآمن عن النفس، يمكن بناؤها منذ السنوات الأولى.
ليس من الحكمة أن يتدخل ولي الأمر في كل خلاف صغير بين الأطفال؛ فبعض الخلافات الطبيعية جزء من تعلم الطفل مهارات التواصل وحل المشكلات.
لكن هناك مواقف لا ينبغي تجاهلها.
والأفضل أن يكون التواصل مع المدرسة تعاونيًا لا تصادميًا.
بدلًا من القول: «إذا لم تفعل المدرسة شيئًا فسأتدخل بنفسي.»
يمكن القول: «أريد أن نتعاون لضمان سلامة ابني، وأن نفهم ما حدث، ونضع خطة واضحة لمنع تكراره.»
فالهدف ليس الانتصار في مواجهة مع المدرسة، وإنما إعادة الطفل إلى بيئة يشعر فيها بالأمان.
أفضل طريقة للتعامل مع التنمر ليست انتظار وقوعه.
علّم طفلك منذ الصغر أن يقول «لا» عندما يتعرض لسلوك مؤذٍ، وأن يبتعد عن الموقف غير الآمن، وأن يطلب مساعدة شخص بالغ موثوق، وأن يدعم زميله إذا رأى أحدًا يتعرض للتنمر.
وفي الوقت نفسه، ابنِ داخله ما هو أعمق من مجرد القدرة على الدفاع عن النفس: الثقة بالنفس، والقدرة على التعبير، والمرونة، والتعاطف، واختيار الأصدقاء، وطلب المساعدة في الوقت المناسب.
وتساعد العلاقة الآمنة بين الطفل ووالديه بصورة كبيرة في اكتشاف المشكلات مبكرًا؛ فالطفل الذي اعتاد أن يجد من والديه استماعًا واحترامًا لا يحتاج إلى انتظار تفاقم المشكلة حتى يتحدث.
ولا ينبغي أن ننسى العالم الرقمي. فالتنمر لم يعد ينتهي عند بوابة المدرسة؛ فقد ينتقل إلى الهاتف ومجموعات المحادثة ومنصات التواصل، ولذلك يحتاج الطفل إلى وعي رقمي يساعده على معرفة ما ينبغي فعله عندما يتعرض للإساءة أو يشاهدها.