تتعدّد الطرق والوسائل المستخدمة في التربية، فهناك أساليب تأتي ثمارها بشكل أسرع وأكثر تركيزًا ومن أبرز هذه الأساليب التربية بالأمثلة وفي هذا المقال سنتعرّف إلى مفهوم التربية بالأمثلة، وأهميتها، وعلاقتها بالتربية الخاصة
التربية بالأمثلة هي وسيلة تهدف إلى غرس القيم والأخلاق في نفس الطفل، وذلك من خلال القصص والحكايات، والأمثلة الرمزية، إضافةً إلى القدوة الصالحة المتمثّلة في الوالدين وهي تقوم على الابتعاد عن النصائح المباشرة والأوامر الصارمة، لتترك أثرًا أعمق وأكثر رسوخًا في شخصية الطفل
هل للتربية بالأمثلة أهمية؟ نعم، فهي تتميّز بعدة جوانب، من أبرزها:
اقرأ المزيد : ما سر نجاح التربية بالقدوة الحسنة في تربية الأبناء؟
نعم، فالتربية الخاصة توظّف التربية بالأمثلة كوسيلة فعّالة، إذ تُعدّ جسرًا يربط بين عالم الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة الداخلي، بما يحمله من تعقيد، وبين العالم الخارجي الذي يتعاملون معه
أمثلة على التربية الخاصة
الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة أحيانًا يواجهون صعوبة في فهم الكلام أو التركيز بالنظر، مما يجعل التربية بالأمثلة أسهل وأكثر فعالية بالنسبة لهم وإليك بعض الأمثلة العملية لذلك:
أمثلة للتربية في بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم
كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه بعدة أساليب متنوعة، ومن أبرزها ما يلي: ـ
1ـ أسلوب التشويق والسؤال التحفيزي
ـ فقد قال لهم: “أتدرون من المفلس؟” فأجاب الصحابة: “المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع” فأوضح لهم النبي صلى الله عليه وسلم معنى المفلس الحقيقي قائلاً: “المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، وقد شتم هذا، وقذف هذا، وسب هذا”
وهذا المثال يبرز كيف استخدم النبي صلى الله عليه وسلم السؤال التحفيزي لتعليم القيم والأخلاق بطريقة عملية ومؤثرة
2ـ الحوار والإقناع
فقد روى عن أبو أمامة رضي الله عنه أن فتىً شابًا قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله، ائذن لي بالزنا” فأبصر القوم عليه فزجروا وقالوا: “ـ مه مه!”فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ادنه ثم سأله النبي: “أتُحبه لأمك؟” فقال الشاب: “لا” قال النبي: “أتُحبه لابنتك؟” قال: “لا” قال: “أتُحبه لأختك؟” قال: “لا قال: ـ أتحبه لعمتك؟ قال: ـ لا قال: ـ أتحبه لخالتك؟ قال :ـ لا ثم ختم النبي صلى الله عليه وسلم توضيحه قائلاً: “كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أو بناتهم، أو أمهاتهم، أو أخواتهم، أو عماتهم، أو خالاتهم”
وهذا يوضح أن النبي كان يحاور ويقنع الشاب حتى يعلمه ويربيه
3ـ الرحمة والرِفق مع الجاهلين
عَن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما كنا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء أعربي فقام بالبول في المسجد فأراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يزجرونه وقالوا: “مه مه!”، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزرموه، دعوه” فتركوه حتى انتهى من البول
ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأعربي وقال له: “إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول أو القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن”
ثم أمر النبي رجلًا من القوم بأن يأتي بدلو من الماء، فقام الرجل بشنه
وهذا الموقف يُظهر أسلوب الرحمة والرِفق في التربية، حيث تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الخطأ بلطف وتوجيه هادئ
4ـ استثمار الفرص والمواقف في التربية
يقول البراء بن عازب رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولم يُنهَ بعد من حفر المكان الذي يُدفن فيه فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله، كأنما على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض
ثم رفع رأسه وقال: “استعيذوا بالله من عذاب القبر”، وذكر حديثًا طويلًا عن عذاب القبر وفتنته
وهذا الموقف يُظهر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يستثمر الفرص والمواقف لتعليم الصحابة الدروس الدينية بطريقة عملية وملموسة
5ـ التوجيه غير المباشر
كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلّم الصحابة أحيانًا بطريقة غير مباشرة، دون ذكر أسماء الأشخاص، لكنه يُشير إلى أفعالهم للتعليم والتوجيه فقد كان يقول: “ما بال أقوام مثل حدث ما حدث على المنبر؟” أو: “ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟”
بهذه الطريقة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يوضّح الخطأ ويصحّح السلوك دون إحراج أحد، مع التأكيد على الالتزام بالكتاب والسنة
6ـ القصص والأمثلة
استخدم النبي صلى الله عليه وسلم القصص والأمثلة العملية لتعليم الصحابة القيم والأخلاق، مثل قصة الثلاثة أصحاب الغار الذين أغلق عليهم الغار فعندما تذكر كل واحد منهم حسنًا قام به وأخلص فيه لله، ففتح الله باب الغار جزءًا فجزءًا حتى انفتح بالكامل
7ـ أسلوب الهجر
كما استخدم النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب الهجر مع من تخلف عن الطاعة أو عن الغزوات، مثل حالة كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن غزوة تبوك فقد هجرهم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من شهر، حتى تاب الله عليهم وأنزل فيهم الآيات، ليعلمهم الدرس ويصحح سلوكهم بطريقة تربوية حكيمة
8ـ الترغيب والترهيب في التربية
استعمل النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب الترغيب والترهيب في التربية لتحقيق التوازن بين الحافز الإيجابي والتحذير من الخطأ
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا وكافل يتيمان كهاتين في الجنة” مشيرًا بالسبابة والوسطى (رواه البخاري)
كما استخدم التحذير والترهيب لتصحيح السلوك، فقال: “لا يدخل الجنة قاطع رحم”، لتوضيح العواقب الوخيمة للأفعال السيئة وتحفيز الناس على الالتزام بالقيم والأخلاق
9ـ أسلوب المشاهدة
استعمل النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب المشاهدة العملية في التربية لتوضيح المفاهيم بطريقة ملموسة فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
“خط النبي صلى الله عليه وسلم خطًّا مربعًا، وخطًّا في الوسط خارجًا منه، وخطًّا صغيرًا آخر يشير إلى هذا الذي في الوسط من جانبه ثم قال: هذا الإنسان، وهذا أجله، وقد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطوط الصغيرة الأعراض، فإن أخطأ هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا“
ويُظهر هذا المثال كيف استخدم النبي صلى الله عليه وسلم المشاهدة والتوضيح العملي لتعليم الصحابة الدروس الأخلاقية والدينية بطريقة واضحة وسهلة الفهم
10ـ أسلوب المشاركة
شارك النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في حفر الخندق أثناء غزوة الخندق، ليكون قدوة عملية لهم وهذا الموقف يعلّمنا أن المشاركة العملية في الأعمال والتربية لها أثر قوي في غرس القيم والسلوكيات لدى المتعلمين، إذ يقتدي الأطفال والمتعلمون بالقدوة ويتعلمون بالعمل والممارسة وليس بالكلام النظري فقط
11ـ التربية بالمدح والوصية
استعمل النبي صلى الله عليه وسلم التربية بالمدح لتشجيع الصحابة على الفضائل والأعمال الصالحة، فقد كان يقول: “نعم الرجل عبد الله، كان يقوم الليل”، ليكون قدوة ومصدر تحفيز للآخرين
كما استخدم أسلوب الوصية في التربية، فقال: “أوصيكم ونفسي بتقوى الله”
وفي موقف آخر، جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: “اوْصِنِي”، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تغضب”، وكررها مرارًا، ليعلّمه الصبر وضبط النفس
وهذه الأساليب تظهر كيف استخدم النبي صلى الله عليه وسلم المدح والوصية والتكرار التربوي لغرس القيم والأخلاق في النفوس بطريقة عملية ومؤثرة
قال الله تعالى: “يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما” (البقرة: 219)، ليبدأ بتوضيح الضرر والمنافع بشكل تدريجي
ثم جاء التوجيه العملي: “يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون” (النساء: 43)، لتطبيق التعاليم العملية تدريجيًا
ثم جاء النهي الكامل والتحريم النهائي: “إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون” (المائدة: 90)
كما استعمل النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب التساؤل والحوار في التربية، ليجعل المتعلم جزءًا من العملية التعليمية ويدفعه للتفكير فقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا تربيته بالكلام التساؤلي، مثل قوله: “أتدرون من المفلس؟”، ليحفز الصحابة على التفكير والتدبر
اقرأ المزيد : الشذوذ الجنسي عند المراهقين في مجتمعاتنا العربية: واقع يجب فهمه لا إنكاره
التربية بالأمثلة هي أسلوب تربوي يعتمد على القدوة العملية والقصص والمواقف الواقعية لغرس القيم والأخلاق في الأطفال بدلًا من التوجيه المباشر أو الأوامر الصارمة
تساعد التربية بالأمثلة على ترسيخ القيم في سلوك الطفل بشكل عميق لأنها تجعله يرى المبدأ مطبقًا أمامه مما يعزز من فهمه ويزيد من دافعيته لتقليد السلوك الإيجابي
يستخدم المعلم أو المربي مواقف حياتية أو قصصًا تعليمية تمثل القيم المطلوبة مثل الصدق أو التعاون مما يجعل الطالب يعيش التجربة ويتعلم بطريقة عملية لا تُنسى
في التربية الخاصة تُعد التربية بالأمثلة من أنجح الأساليب لأنها تعتمد على المشاهدة والتطبيق العملي وهو ما يناسب الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة الذين قد يصعب عليهم فهم التوجيه اللفظي
يقع على الوالدين دور القدوة الأولى حيث يتعلم الطفل من أفعالهما أكثر مما يسمعه منهما فحين يرى والده يلتزم بالصدق أو أمه تساعد الآخرين يتعلّم ذلك بالسلوك لا بالكلام
استخدم النبي صلى الله عليه وسلم الأمثلة العملية والحوار والسؤال التحفيزي لتوضيح المفاهيم الأخلاقية مثل قوله “أتدرون من المفلس؟” مما جعل التعليم مؤثرًا وعميقًا في نفوس الصحابة
التربية بالموعظة تعتمد على التوجيه بالكلام والنصح المباشر بينما التربية بالأمثلة تعتمد على الموقف العملي الذي يُترجم القيمة إلى سلوك يُحتذى به مما يجعل أثرها أطول وأعمق
يمكن توظيفها من خلال الأنشطة الصفية والقصص التربوية والمواقف التمثيلية التي تتيح للطلاب رؤية السلوك المرغوب وممارسته بأنفسهم داخل بيئة تعليمية آمنة ومحفزة
نعم فهي من أنجح الوسائل لتعليم القيم الإسلامية إذ تُظهر المفهوم الديني في سلوك عملي كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه حين علّمهم الصبر والرحمة من خلال مواقفه وأفعاله
ينشأ الطفل على القيم الراسخة والاحترام الذاتي والمسؤولية ويصبح أكثر وعيًا بتصرفاته لأن القيم أصبحت جزءًا من سلوكه اليومي لا مجرد كلمات يسمعها
اقرأ المزيد : كيف نغرس تحمل المسؤولية في أبنائنا بثقة وبدون ضغط؟